الاحتراق النفسي: عندما يصبح الإرهاق أكثر من مجرد تعب
2025-12-25في فترات معينة من الحياة قد يشعر الإنسان بتعب مستمر لا يزول بالراحة، وفقدان للحافز تجاه أمور كانت يومًا مهمة، وشعور داخلي بالاستنزاف. هذا النوع من الإرهاق لا يكون دائمًا جسديًا فقط، بل قد يكون احتراقًا نفسيًا يحتاج إلى فهم ووعي قبل أي محاولة للتعامل معه.
الاحتراق النفسي هو حالة من الإجهاد النفسي والعاطفي تحدث نتيجة التعرض المستمر للضغوط دون فترات كافية للتعافي. غالبًا ما يرتبط بالعمل، لكنه قد يظهر أيضًا في الدراسة أو العلاقات أو الأدوار الأسرية التي تتطلب جهدًا نفسيًا طويل الأمد. هذه الحالة لا تعني ضعف الشخصية أو قلة التحمل، بل تعكس استنزافًا متراكمًا للموارد النفسية.
يختلف الاحتراق النفسي عن التعب العادي في أن الراحة القصيرة أو الإجازة السريعة لا تكون كافية لتخفيفه. قد يشعر الشخص بأنه يؤدي مهامه بشكل آلي، مع فقدان الشعور بالإنجاز أو الرضا، وقد يصاحبه شعور باللامبالاة أو التباعد العاطفي تجاه الآخرين أو تجاه العمل نفسه.
تظهر علامات الاحتراق النفسي بطرق متعددة. نفسيًا قد يظهر في صورة فقدان الحافز، أو التهيج المستمر، أو الشعور بالإحباط واليأس، أو صعوبة التركيز واتخاذ القرار. جسديًا قد يظهر في صورة إرهاق دائم، أو صداع متكرر، أو اضطرابات في النوم، أو آلام عضلية غير مبررة. سلوكيًا قد يلاحظ الشخص انسحابه من الأنشطة الاجتماعية أو تأجيل المهام أو انخفاض الإنتاجية.
من الشائع الخلط بين الاحتراق النفسي والاكتئاب أو القلق، ورغم وجود تداخل في بعض الأعراض، إلا أن لكل حالة خصائصها وسياقها الخاص. الاحتراق النفسي غالبًا ما يكون مرتبطًا بمصدر ضغط واضح ومزمن، بينما قد تكون الحالات الأخرى أوسع وأكثر تعقيدًا. لهذا فإن الفهم الدقيق للحالة يساعد على اختيار الدعم المناسب دون تشخيص ذاتي أو استنتاجات متسرعة.
الوعي المبكر بالاحتراق النفسي يساعد على تقليل أثره. ملاحظة التغيرات في المشاعر والسلوك، والانتباه للإشارات الجسدية، والاعتراف بالحاجة إلى التوقف أو المراجعة، كلها خطوات أولية مهمة. تجاهل هذه الإشارات لفترات طويلة قد يؤدي إلى تفاقم الشعور بالإرهاق وصعوبة التعامل معه لاحقًا.
اللجوء إلى الدعم النفسي خطوة صحية عندما يشعر الشخص بأن الضغوط أصبحت أكبر من قدرته على التحمل، أو عندما يبدأ الإرهاق في التأثير على حياته الشخصية أو المهنية. الحديث مع مختص نفسي يوفّر مساحة آمنة لفهم ما يحدث، ووضع حدود صحية، واستعادة التوازن النفسي تدريجيًا دون أحكام أو ضغط.
التقييمات والمقاييس النفسية المخصصة للإجهاد والاحتراق النفسي تساعد على تكوين صورة أوضح عن مستوى الاستنزاف النفسي، وتساهم في زيادة الوعي بالحالة الحالية، وهي أدوات داعمة للفهم وليست بديلًا عن الدعم المهني.
الشعور بالإرهاق المستمر لا يعني أن المشكلة فيك، بل قد يكون مؤشرًا على أن متطلبات الحياة تجاوزت طاقتك الحالية. التوقف قليلًا لإعادة التوازن ليس تراجعًا، بل خطوة واعية للحفاظ على الصحة النفسية وجودة الحياة. عندما تشعر بأن الحمل أصبح ثقيلًا، فإن طلب الدعم قد يكون بداية أخف وأكثر اتزانًا.